أ. توفيق السامعي
الاستثمار الدولي في الحوثية كبندقية مؤجرة (الحلقة الثامنة)

 

لم تكن الأزمة اليمنية وحروبها خلال الفترة القليلة الماضية نتاج عمل لحظي انفجرت بشكل تلقائي مؤخراً، بل هي نتيجة عمل ممنهج ودراسة وتخطيط منذ أمد بعيد.

وتكشف هذه الدراسة التي بين أيدينا كثيراً من أبعادها ومسبباتها واللاعبين فيها، والتي استخدمت المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة لإشعال فتيل كل هذا الصراع، ومستقبل اليمن وتحديداً بعض مناطقه وكذلك بعض دول المنطقة..

أهمية باب المندب

من يبسط خارطة العالم بين يديه، ويمعن التفكير قليلاً في تلك الخارطة سيلحظ - ولا شك- أهمية ذلك المضيق والموقع الجغرافي اليمني للمنطقة بشكل عام، بما يمثله ذلك المضيق من نقطة التقاء وتقاطع لكل الخطوط البحرية العالمية، وهذه أهم نقطة لأن تجعل المنطقة نقطة ساخنة ومحل أطماع كافة القوى العالمية، كما كانت من قبل عبر التاريخ، وستظل هكذا إلى الأبد.

أدركت الدول الكبرى هذه الأهمية مؤخراً وسارعت إلى إنشاء قانون دولي واستصدار قرار أممي يقضي بموجبه أن تكون المضايق البحرية ممرات دولية لا تخضع لأي من الدول ولا يتم تحصيل رسوم المرور منها للدول المطلة عليها، وذلك في عام 1982 فيما عرف بقانون البحار، والذي وقع عليه فـي مونتيغوبـاي مـن قبـل (119) دولـة، ودخلـت حيـز التنفيـذ عام 1994 بعـد تصديقهـا مـن العـدد الكافـي مـن الـدول، ليكون كنظـام قانونـي يطبـق فـي جميـع المضائـق التـي تـم تحديدهـا مـن قبـل الاتفاقيـة.

وحرمت اليمن ورقة من أهم الأوراق الاقتصادية التي يمكنها أن ترفد خزانة الدولة بالكثير من الأموال المترتبة على مرور السفن وتحصيل الرسوم مقابل الحماية وتقديم التسهيلات والتمويل اللازم لها خاصة مع ميناء الرسو في خليج عدن.

هناك الكثير من العوامل الهامة التي تجعل من باب المندب والسواحل المجاورة نقطة جذب عالمي وهي كالتالي:

-       قلة التكلفة الاقتصادية لمرور السفن في طرق وممرات أخرى كرأس الرجاء الصالح مثلاً والتي تتطلب تمويناً أكبر ومستمراً إذا طال الطريق بما يصاحب ذلك من حملات عسكرية مرافقة للسفن مما يضاعف قيمة التكلفة للسلع وعدم قدرة الكثير من الأسواق الاستهلاكية لتقبلها.

-       قلة كلفة التأمينات التي تفرض على السفن والسلع التجارية وعدم تهديد الملاحة طالما كان مرورها في مناطق آهلة وسط دول ذات كثافة سكانية وأنظمة حامية، مما يعني تصدير تجارة أكثر وإنتاج أكثر وبالتالي إدرار أموال أكثر.

-       اختصار المسافات؛ فباب المندب أقرب المنافذ البحرية وأوسطها في العالم وخاصة أنه يأتي وسط محيط استهلاكي من الدول مما يعني إيجاد سوق تجاري دولي تصرف فيه البضائع في هذه المنطقة من العالم للجزيرة العربية والقرن الأفريقي.

-       ربط آسيا وأفريقيا، كما يربط مضيق جبل طارق أفريقيا بأوروبا؛ إذ لا يمكن للناقلات الصينية مثلاً أن تمر إلى أوروبا وشمال أفريقيا ووسطها ما لم تمر بباب المندب.

-       التخلص من تهديد إيران لمضيق هرمز بتأمين الممر الأهم الذي يربط القارات المختلفة وهو باب المندب، وبالتالي إفشال مخططات إيران في المنطقة على كل الصعد، وهذا يعد انتصاراً ساحقاً لخصوم إيران خاصة وقد تم طرد مليشياتها من باب المندب والتي كانت إيران تعول عليها كثيراً في زعزعة أمن باب المندب لتبقى تهديداً في هرمز وباب المندب.

-       يعد باب المندب الأقرب خطاً لأدغال أفريقيا ووسطها عبر السواحل اليمنية على الرغم من سواحل شمال أفريقيا وجنوبها، لكن هذه السواحل بعيدة جداً وتمثل أطرافاً فقط بينما تتركز الكثافة السكانية والاستهلاكية والثروة في وسط أفريقيا بكل دولها، وباب المندب الأقرب لذلك عبر العبور من جيبوتي أو أرتيريا إلى وسط أفريقيا وهو ما اعتمدته الصين في تحركاتها.

-       الثروات النفطية في الساحل الغربي والغاز بكميات هائلة وخاصة البحر الأحمر ويعد ثروة بكراً، وهو ما تم تسريبه من أن الأقمار الصناعية كشفت عن ثروات هائلة في سواحل المخاء والخوخة والحديدة بأكثر مما هو في شرق اليمن، وبالتالي هذا أطمع كثيراً من الدول للسيطرة عليه دون الدخول في اتفاقيات ثنائية مع حكومة مستقرة يمنية عبر وكلائها في المنطقة (الإمارات) التي أوجدت مليشيا ووكلاء محليين لذلك (مليشيا طارق والانتقالي) بعيداً عن مرجعية الدولة وسلطة الشرعية.

أضف إلى هذه الثروات من النفط والغاز ثروات الأسماك وثروات الذهب والأحجار الكريمة؛ حيث تعرف السواحل اليمنية الغربية بوجود كميات كبيرة من الذهب كما ذكرها المؤرخون اليونانيون قديماً أن سواحلها تمتاز بوجود كميات كبيرة من الذهب تصل البلورة الواحدة منها إلى مقدار حبة الجوز، كما ذكر ذلك المؤرخ هيروديتس.

-       باب المندب ملتقى قارات وملتقى الطرق القديمة والحديثة والمختصرة وملتقى الثروة العالمية، ما يعني طرق أسرع وكلفة أقل وربح أكثر وتأمين أقل، حيث تتركز 70% من الثروة العالمية في هذه المنطقة سواء النفطية والغازية أو ثروات الطاقة وكذلك الذهب والأحجار الكريمة والتي يعد باب المندب وسطها جميعا وبوابتها كلها وأكبر الدول تضررا من أزمتها هي اليمن ومصر والسعودي والأردن وإسرائيل وأرتيريا وجيبوتي، وبالتالي استهداف اليمن هو استهداف لكل هذه الدول، وهذا يحتم تنسيق المواقف التاريخية بين مصر واليمن طيلة التاريخ وهي أهم الحلول والمخارج لهذه الأزمة.

-       مثل البحر الأحمر وباب المندب عبر التاريخ أهم رابط بين مصر واليمن منذ ثلاثة آلاف عام وحتى اليوم، فكانت اليمن ومصر لا تنفكان عن بعضهما البعض من عهد الفراعنة الأوائل وحتى ثورة 26 سبتمبر، وبالتالي فصل هذا التنسيق سيعود بالضرر على البلدين، ومع كل أزمة تحيط بمصر إلا كانت اليمن مخرجها والعكس تماماً؛ لأن اليمن وباب المندب تحديداً هو بوابة مصر عبر التاريخ، ازدادت هذه الأهمية بعد شق قناة السويس التي أصبحت أهم الممرات العالمية ولا يمكن لقناة السويس أن تعمل بدون باب المندب ولن تفيد مصر بشيء، وبالتالي عملت كل السلطات المصرية على توثيق علاقتها باليمن لتنسيق المواقف السياسية والعسكرية وكانت تحركات الدولتين واحدة وخاصة مع الأزمة والحروب مع إسرائيل في كل المحطات، والتي لعبت الجزر اليمنية وباب المندب دوراً حاسماً في حربي 1967 و1973.

أدركت إسرائيل بقاء ثغرة مهمة عبر هذه النقطة فحاولت في كل المحافل الدولية على تدويل البحر الأحمر وتدويل باب المندب لتخرجه من التحكم اليمني المصري وقد تحقق لها ذلك عبر اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 و1994، وبالتالي سارعت لإيجاد حلفاء لها قريبين من باب المندب فكانت أرتيريا حليفتها الأولى واستأجرت منها قاعدة بحرية عبر بعض الجزر وأوعزت لها احتلال جزر اليمن حنيش وزقر.

هذا التنسيق يهدد مصر كثيراً، وعلى اعتبار أن الإمارات حليفة مصر فقد طعنتها في الظهر عبر تعزيز علاقتها بإسرائيل وإيجاد لها قاعدة أخرى في أرتيريا وبسط سيطرتها على الجزر اليمنية مؤخراً، قد تكون العلاقات بينهما اليوم في أوج عهدها لكنها ستنفجر أزمة مستقبلية خاصة إذا فضلت الإمارات علاقتها مع إسرائيل على حساب مصر.

يبدو اللاعب الأكبر والمتربص المستقبلي هنا هو الصين التي لا يمكن لخط حريرها أن ينجح دون باب المندب وخليج عدن وسقطرى والتي استبقت الإمارات –كوكيل إقليمي لدول أخرى – في احتلالها وقطع الطريق على الصين، لكن الصين -بكل تأكيد- ستسعى لإنجاح هذا الطريق والخط مهما كلفها.

يبدو أن هناك صراعاً خفياً بين خطوط البحار والمضايق بين أمريكا وبريطانيا، وليس لهما موقف موحد حتى وإن ظهر للعيان عدم وجود أي إشكال بين الطرفين، إلا أن الصراع قائم منذ مدة طويلة وخاصة حول خليج عدن والبحر الأحمر، ففيما تبدو اليد العليا للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها كأسد ضارٍ يحاول فرض تواجده وهيمنته بقوة عضلاته ومخالبه، بينما يفقد تلك الهيمنة بشكل سريع لصالح الثعلب البريطاني الذي يطبخ هيمنته على نار هادئة ومتعقل لسيطرة استراتيجية طويلة المدى، لكن هاتين القوتين لا شك ستتحدان ضد التنين الصيني المتربص والذي سيكون المستفيد الأكبر خلال الزمن القادم.

حيث أثبت الزمن أن الامبراطوريات الآفلة لا يمكنها أن تنهض من جديد وتسير الأحداث لصالح امبراطوريات فتية وجديدة، وهذا ما تبدو عليه الصين حالياً بما تمثله من قوة اقتصادية وصناعية لا تضاهى، وتطير بسرعة الصاروخ نحو الهيمنة القادمة والعلو في الأرض.

فمظاهر الحشود الضخمة لكل تلك الأساطيل الحربية في خليج عدن والبحر الأحمر، كما لم تحتشد في أية منطقة أخرى من العالم، سيجعل من مناطق اليمن والقرن الأفريقي والساحل الغربي ساحة للصراع العالمي بشقيه البارد والعسكري، إلا إن تعادلت القوى دون أن تصطدم ببعضها، فهي اليوم تقف على برميل بارود يمكن أن ينفجر في أية لحظة.

بات من المؤكد أن تهافت الدول الكبرى على حشد بوارجها في خليج عدن ليس غرضه حماية سفنها التجارية من القرصنة الصومالية كما قيل عند حشدها خاصة وأن القرصنة والقاعدة، وكذلك الحوثيين مؤخراً قد انتهوا وجردوا من قوتهم في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، ومع انتفاء السبب تنتفي النتيجة لهذه الحشود، إلا أن ما هو قائم أن تضاعفت الحشود أضعافاً كثيرة إلى المياه الدولية في خليج عدن.

ثمة أهداف وخطوات مبدئية لهذه الحشود للبوارج الحربية المختلفة في المنطقة في تشكل حلف عسكري دولي جديد ضد التنين الصيني خاصة إذا ما نظرنا نظرات فاحصة لأطرافه مع توجه الصين للسيطرة الاقتصادية على البحار وخطها العملاق (خط الحرير)، وقد يكون هذا الحلف لكبحه مستقبلاً.

ومع أن الروس ينظرون باستمرار على أن خليج عدن منطقة نفوذ خاصة بهم منذ أمد بعيد إلا أنهم لم يتحركوا بشكل مكثف كما تحرك الآخرون وربما يبحثون هم الآخرون عن ذريعة لدخول المنطقة، وهو ما يفسر دعوتهم للانتقالي الجنوبي لزيارة موسكو مؤخراً وتوجهوا إليها من أبو ظبي، مما يعني تنسيق مواقفهم مع أبو ظبي لهذه الزيارة والتي سيكون لها ما وراءها من إعادة الحلفاء الروس إلى المنطقة، ومع دخول الروس إلى المنطقة قد يشكل الطرف الآخر من التحالف المضاد مع الصين ودخول المنطقة في صراعات لا تنتهي.

اكتسب الانتقالي الشرعية السياسية من خلال اتفاق الرياض لكنه لم يطبق الاتفاق ومضى في أجندته الخاصة في التحركات الإقليمية والدولية لفرض أجندته، وإذا دخلت دولة ما بطلبه إلى البلاد سيكون دخولها شرعياً من خلال شرعية الانتقالي، وكأنه كان بحاجة ماسة لهذه الشرعية ليتحرك بطريقة أكثر قبولاً عند صانعي القرارات والسياسات.

شكلت الحوثية بين كل هذه الشبكة من الصراعات السبب الأهم للقضاء على الاستقرار في اليمن وفتحت الباب على مصراعيه لكل هذا الخليط من الصراعات كمن كان ينفذ أجندة دولية مرعية ومخطط لها من قبل والدخول إلى اليمن عبر الثغرة النازفة التي أحدثتها الحوثية في جدار الوطن استدعت كل هذه الصراعات إليه ليكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.

من يرعى ويستثمر في المليشيا الحوثية هو من يحدد لها تحركاتها ويرسم لها أجندتها وأهدافها، ولذلك تسرب كثير من المعلومات أن المبعوث الأممي مارتن جريفيث هو من كان يرسم لها بعض السياسات وخاصة إدارة ملف التفاوض مع الشرعية.

يبدو الواقع اليوم أنه لا يراد لليمن أن تستقر لتبقى الذرائع الدولية في التدخل وإدارة الصراع في اليمن، وأبرز ما بات يعرف على وجه التحديد أنه لا يراد للشرعية أن تنتصر وأن تستعيد الدولة، كما لا يراد للحوثية أن تنهزم أو تحقق الانتصار النهائي أيضاً.

ما يجري هو تصفية الشرعية بشكل بطيء من خلال إضعاف كل أسباب قوتها من إنهاك الجيش والمقاومة وعدم صرف مرتباتهم بشكل مستمر، ومن خلال إيجاد مليشيا جانبية تعمل لمواجهة الشرعية كظهير للحوثي، وكذلك عدم تمكينها من بسط سيطرتها التامة على المؤسسات وإدارتها لتغطية نفقات الحكومة والجيش واستقرار العملة، وإغلاق الموانئ، وغيرها من الخطوات.

كل المجتمع الدولي ينادي بتسوية الأزمة اليمنية، لكن هذه التسوية -بحسب تلك النداءات- تثبت الواقع على الأرض، وهو إما تقسيم اليمن بما هي عليه اليوم من أجزاء، وكل جزء تحت هيمنة قوة من القوى، أو القبول بتسوية سياسية مع الحوثي يكون الحوثي هو من يملك القوة والسلاح والسيطرة على الأرض، مما يعني إنهاء الشرعية والقبول بحكم الحوثي كمستعمل ومهدد لكل المنطقة، وهنا يعلن النصر للمشروع الإيراني.

 

 

 

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

مقالات أخرى

في التعاطي مع سياسة بايدن تجاه اليمن ، لا بد من امتصاص انفعالات المرحلة الأولى

د. ياسين سعيد نعمان

الشيخ الوحيد الذي لم يقف مع الحوثي "الشيخ عثمان بعدن"

محمد عبدالله القادري

الاستثمار الدولي في المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة (الحلقة التاسعة والأخيرة)

أ. توفيق السامعي

أنا يمني يا فخامة الرئيس هادي

محمد عبدالله القادري

تعز وفرص التحرير المهدرة!

أ. توفيق السامعي